بقلم قداسة البابا شنوده الثالث

 

إن اللَّه تبارك اسمه له صفات كثيرة. ولكنه في بعض هذه الصفات ينفرد بها وحده. فمثلاً صفة اللَّه كخالق. فهو وحده الخالق ولا يوجد خالق سواه. ومن صفاته التي ينفرد بيها وحده أنه غير محدود. وقد يوجد إنسان يتصف بالحكمة والمعرفة. ولكن الحكمة عند اللَّه غير محدودة والمعرفة غير محدودة. نستطيع بعد هذه المقدمة أن نضع هذه القاعدة وهى أنه من صفات اللَّه الخاصة به وحده أنه غير محدود. وهو غير محدود في المكان والزمان وفي القدرة وفي العِلم وفي المعرفة وفي كل شيء.

?? اللَّه غير محدود من جهة المكان والزمان. فهو موجود في كل مكان. ولا يحده مكان. ولا يسعه مكان. هو في الكون كله: هو في السماء وعلى الأرض وما بينهما. هو في الجو وفي أعماق البحر. السماء هى كرسي اللَّه والأرض هى موطئ قدميه. هو في كل مكان حيث يرى ما يفعل الناس، ويسمع ما يقولونه. كل إنسان مضبوط أمامه. لا يستطيع أن يختفي. وكما يقف البشر أمام اللَّه على الأرض، هكذا أيضاً يقف الملائكة أمامه في السماء. أمامه القديسون يُسبِّحون بطهارة قلوبهم. وأمامه أيضاً الأشرار في أماكن شرهم. إن أشعة الشمس تدخل في الأماكن الطاهرة كما تدخل أيضاً في الأماكن القذرة لكي تُطهِّرها وتقتل جراثيمها ولا تؤثِّر عليها قذارتها ولا تتأثر بها.

?? ولأن اللَّه في كل مكان لا نقول إنه يصعد أو يهبط، ولا نقول إنه يمشي أو يتحرَّك. فإن صعد، إلى أين يصعد؟ وهو موجود من قبل في المكان الذي يصعد إليه! وإن قُلنا إنه ينزل إلى مكان ما، فهو بلا شكٍّ موجود من قبل في ذلك المكان الذي سوف ينزل إليه. وهو لا يمشي ولا يتحرَّك. لأنه في كل مكان، لا يُفارق موضعاً إلى موضع آخر. إنه مالئ الكل. وإن وُجِدت آيات في الكتاب المقدس تحمل مثل هذا التعبير، فإنها لكي تُقرِّب المعنى إلى عقولنا البشرية. أو تعني ظهوره في المكان الذي يُقال إنه نزل إليه أو ظهر فيه أو عمل فيه عملاً.

?? فهو لا يأتي إلى مكان، ولا يُفارق مكاناً، ولا ينتقل من مكان إلى مكان. لأنه موجود في كل مكان، وفي كل وقت. وهو لا يأتي إلى مكان لأنه موجود في المكان الذي يُقال أنه يأتي إليه. إنما يظهر فيه، أو يعلن وجوده فيه فيُقال أنه أتى إليه.

عندما سلَّم اللَّه لوحي الشريعة لموسى على الجبل، كان في نفس الوقت في السماء وعلى الأرض. وأيضاً عندما كلَّم أبانا إبراهيم ودعاه ... ويسري هذا المنطق على كل لقاءات اللَّه مع البشر منذ أيام أبينا آدم وعلى مر الأجيال كلها. إنه غير محدود من جهة المكان.

?? كذلك اللَّه أيضاً غير محدود من جهة الزمان. إنه أزلي أي لا بداية له. والأزلية هى من صفات اللَّه وحده لا يُشاركه فيها أحد. لأن كل الكائنات الأخرى هى مخلوقات. وكل مخلوق له بداية وقبل تلك البداية لم يكن له وجود.

ولأن اللَّه أزلي، فهو واجب الوجود، وهو موجود بالضرورة. فوجوده ضرورة تُفسِّر وجود باقي الكائنات.

?? وكما أن اللَّه أزلي، فهو أيضاً أبدي. فهو غير محدود من جهة الزمن، بلا بداية ولا نهاية، ولذلك يوصف أيضاً بأنه سرمدي. أنه لا يدخل في نطاق الزمن ولا مقايسه. لأنه فوق الزمان. بل هو خالق الزمن. ونفس هذا الكلام يُقال عن عقل اللَّه وروحه. نعم يُقال عن عقل اللَّه الذي كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مِمَّا كان.

وكما أن اللَّه غير محدود من جهة المكان والزمان، كذلك هو غير محدود من جهة القدرة.

?? فمن جهة القدرة نقول: إن اللَّه كُلِّي القدرة، أو أنه قادر على كل شيء. ولهذا نقول: إن كل شيء مُستطاع عنده. وأن غير المُستطاع عند الناس هو مُستطاع عند اللَّه.

ومن هنا نؤمن بالمعجزات. وقد سُمِّيَت المعجزات بهذا الاسم لأن العقل البشري يعجز عن تفسيرها. إنها ليست شيئاً ضد العقل. إنما هى فوق مستوى العقل، تدخل في قدرة اللَّه غير المحدود.

?? ومن قدرات اللَّه غير المحدودة قدرته على إقامة الموتى. ليس فقط في إقامة أشخاص مُعيَّنين من الموت. بل بالأكثر القيامة العامة في آخر الزمان. إقامة كل البشر منذ أبوينا آدم وحواء. بل كل الذين تحوَّلوا إلى تُراب، والذيت تحلَّلت أجسادهم وامتصتها الأرض. كلهم سيقومون جميعاً، ويقفون أمام اللَّه يوم الحساب بأرواحهم وأجسادهم ... إنها قُدرة غير محدودة يقف أمامها العقل البشري مبهوتاً ومذهولاً.

?? إن اللَّه ليس فقط قادراً على كل شيء، بل هو أيضاً مصدر كل قوة. هو الذي يهب القدرة للملائكة، الذين يستطيعون أن ينتقلوا من السماء إلى الأرض في لمح البصر. واللَّه هو أيضاً الذي وهب قديسيه قوة لصُنع المعجزات كالقوة التي وهبها لموسى النبي حينما ضرب البحر بعصاه. وكالقوة التي أقام بها إيليا ابن أرملة صرفة صيدا من الموت. إنها معجزات ليست بقوتهم البشرية إنما بقوة اللَّه.

?? إن اللَّه القادر على كل شيء، هو الذي وهب العقل البشري قدرات عجيبة.

واللَّه الذي يهب القدرة، هو قادر أيضاً أن يسحبها متى شاء. هو الذي وهب شمشون الجبار قوة جسدية فائقة للوصف. وعندما كسر شمشون نذره بعد أن باح به لدليلة، سحب اللَّه منه تلك القوة. فأذلّه أعداؤه.

اللَّه أعطى القوة للنار أن تحرق. ولكنه في قصة الثلاثة فتية القديسين الذين ألقاهم الفُرس في النار، لم يسمح اللَّه للنار أن تؤذيهم، وشعرة واحدة من رؤوسهم لم تحترق.

نقول أخيراً إن اللَّه سمح أن يكون للشيطان قوة. ولكن اللَّه وضع حدوداً مُعيَّنة لقوة الشيطان، كما يظهر ذلك في قصة أيوب البار. وأيضاً في التجربة على الجبل قال الرب أخيراً للشيطان: اذهب يا شيطان. فذهب ولم يستطع أن يُخالف. ولا ننسى المعجزات الكثيرة الخاصة بإخراج الشياطين ولعلَّ من بينها قصة لجئون. على أن مصير الشيطان واضح أنه في يد اللَّه الكُلّي القدرة الذي سيلقيه أخيراً في بحيرة النار والكبريت.